محمد بن محمد ابو شهبة

533

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

وهو يجود بنفسه فقال له : « قد نهيتك عن حب يهود » فقال : يا رسول اللّه إنما أرسلت إليك لتستغفر لي ، ولم أرسل إليك لتوبخني ، ثم سأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه فأجابه ، قال الحافظ ابن حجر : وهذا مرسل مع ثقة رجاله . وكان قد عهد ابن أبيّ إلى ابنه بذلك « 1 » ، فلما توفي جاء ابنه إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه ، ثم سأله أن يصلي عليه فقام رسول اللّه ليصلي عليه ، فقام عمر فأخذ بثوب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه أتصلّي عليه وقد نهاك « 2 » ربك أن تصلي عليه ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إنما خيّرني اللّه فقال : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ، وسأزيده على السبعين ، قال : إنه منافق ، فصلّى رسول اللّه عليه فأنزل اللّه : وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً ، وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ الآية « 3 » . وفي رواية أخرى له عن عمر نفسه أن النبي لما قام ليصلي عليه قام عمر فقال : يا رسول اللّه أتصلّي عليه وقد قال كذا وكذا يعدد مساوئه ، فتبسم الرسول وقال : « أخّر عني يا عمر » فلما أكثرت عليه قال : « إني خيّرت فاخترت ، لو أعلم أني لو زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها » ثم صلّى عليه فلم يلبث إلا قليلا حتى نزلت الآية « 4 » . وإنما صلّى عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إجراء له على حكم الظاهر وهو الإسلام ، ولما فيه من إكرام ولده عبد اللّه - وكان من خيار الصحابة وفضلائهم - وهو الذي عرض على النبي أن يقتل أباه لما قال مقالته يوم غزوة بني المصطلق كما ذكرنا ، ولما فيه من مصلحة شرعية ، وهو استئلاف قومه ومتابعيه ، فقد كان يدين له بالولاء فئة كبيرة من المنافقين ، فعسى أن يرعووا عن نفاقهم ويعتبروا ويخلصوا

--> ( 1 ) فتح الباري ، ج 8 ص 268 . ( 2 ) ليس في القران نهي عن الصلاة على المنافقين قبل نزول اية وَلا تُصَلِّ . والظاهر أن عمر فهم ذلك من قوله سبحانه : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ الآية . أو من قوله تعالى : ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ الآية . ( 3 ) رواه البخاري عن ابن عمر . ( 4 ) صحيح البخاري - سورة التوبة - باب ولا تصل . . . الخ .